Suivez Salam Kawakibi

design by Studio4u
And Patrick Habis

وقاحة السياسة بعد المصالحة الفلسطينية

27 أبريل / نيسان 2014

بعد انتظار طويلٍ، وصراعاتٍ دامية وعنيفة، واتهاماتٍ متبادلةٍ بالخيانة تارة، وبالفساد تارة أخرى، توصّلت فصائل فلسطينية، أساسية في المشهد السياسي، إلى اتفاق مبدئي، يحمل في طيّاته حزمة من أمل. أتى هذا الحدث السعيد، للفلسطينيين على أقل تقدير، بعدما ازدادت ضبابية المشهد الداخلي، منذ أن أجهضت نتائج الانتخابات سنة 2006 بتواطؤ دولي واضح، وغياب عربي فاضح، كما جرى في الجزائر سابقاً، وفي مصر لاحقاً. وعاد التواصل الإداري، بعد انقطاع طال، إثر استئثار متشددي حركة حماس بالسيطرة على قطاع غزّة، متذرعين بالصندوقراطية المنقوصة نظرياً، والمنقوضة عملياً، وممارساتهم الإقصائية والاستئثارية التي أبعدت عنهم شرعية الاقتراع، كما أدّت بإسلاميي مصر إلى فتح المجال أمام الانقلاب عليهم، في حين فهم نظراؤهم التونسيون أن الإدماج والتشاركية هما، أيضاً، من أعمدة العملية الديموقراطية.

ترافق هذا الاستئثار مع فسادٍ منهجيٍّ في الضفة الغربية، نخر جسد السلطة القائمة، وكان سابقاً من أسباب تصويتِ كثيرين معتدلين سياسياً ودينياً لـ"حماس"، وما تمثله نظرياً من ترفّع عن الفساد، وما تقدّمه أيضاً خطابياً من إيثار الصالح العام على المصلحة الخاصة، وهو ما لم تثبته الممارسة بشكل جلي.

تعدّدت المبادرات، وتراكمت النداءات من أطرافٍ وطنيةٍ عديدةٍ محسوبةٍ على هذا الطرف أو ذاك، لكنها باءت سابقاً كلها بالخيبة لما تحمله أمواج العلاقات بين الإخوة "الأعداء" من مشاعر الضغينة والرغبة في الانتقام والثأر المتبادل، في ضوء الخلافات السياسية والمالية المتشابكة. في المقابل، راهن كل طرف على فاعلين خارجيين، غير حياديين، لمحاولة تعزيز موقفه التعنتي، أو العدائي، أو التنافسي، أو المتشفي من الطرف الآخر. وحيث لم يقم هؤلاء الفاعلون "الأشقاء"، مهما أبدوا من حسن النيات، إلا بتعقيد المشكلات، وبتوسيع الهوة وتعميق الفجوة.. في حين كان الاسرائيليون ينتظرون، ويراقبون بسرور تفتت المشهد المقاوم والمعاند لاحتلالاتهم واستيطاناتهم وتهويداتهم وتغيراتهم الديموغرافية، المتواصلة على قدم وساق. وقد ساهم "الداعمون" العرب، كما في الساحات الثورية العربية الأخرى، في تأخير فرصة اللقاء، أو في تعطيل محاولات التقارب، بحجج تعزيز الموقف الممانع لطرفٍ، أو المفاوض للطرف الآخر. وبرزت تدخلات مؤسساتٍ حاكمةٍ مستدامةٍ لم تهتم، منذ حرب 1948، إلا باستغلال قضية الشعب الفلسطيني ومآسيه، في تعزيز مواقفها الداخلية، لحجب الحرية عن شعوبها، وتعزيز مؤسسات الفساد والإفساد فيها، تحت راية "النضال القومي" في سبيل تحرير الأراضي المحتلة. "تجارة" غير شريفة، مارستها أنظمة "ممانعة" للتحرر و"مقاومة" للتقدم، حيث حوّلت قضية سامية إلى قميص عثمان مهترئ من شدة الاستغلال المتعاقب.

من جهة أخرى، شجعت الأنظمة العربية، بتوجهاتها السياسية المتنوعة، على تأخير المصالحة الفلسطينية، إلا إن خرجت من تحت إبطها، سعياً وراء لعب دور إقليمي ما، والاستئثار بالقرار الفلسطيني، حرباً وسلماً، دولةً ونضالاً.

وبعيداً عن المعجزات السياسية، وقريباً من الظروف المحلية، والرهانات الإقليمية المواتية، توصّل الطرفان، إذاً، إلى وضع اللبنة الأولى، الطرية بالتأكيد، والقابلة للكسر بشدة، في جدار التلاقي.

وفرح الفلسطينيون شعبياً بالفعل تأكيداً، ورسمياً بالشكل تقديراً، بهذه الخطوة التي كان من المفترض أن تكون بديهية التحقق، ومبكرة التحقيق، لكنها تدخل في سجل الإنجازات الاستثنائية في حلبات الصراعات المترامية الأطراف والمصالح والأصحاب في المشهد الفسلطيني.

إسرائيلياً، علقت الدولة العبرية مباحثات "السلام" العبثية، كما وكأنها كانت قاب قوسين من تحقيق أهدافها بقيام دولة فلسطينية مُعاشة، إلى جانب دولة إسرائيلية غير متمددة وغير مستوطنة. وليس غريباً هذا التصرف على إدارة يمينيةٍ، يسيطر على جزءٍ فاعلٍ منها تيارٌ عنصريٌ بامتياز. لكن الغريب أن كبار محللي السياسات في إسرائيل طرحوا مواقف مناقضة تماماً للموقف الرسمي. فقد صرّح أهم الخبراء في المعهد الاسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية (ميتفيم) بآراء "إيجابية" من الاتفاق. فقد ذكر رئيسهم، نمرود غورن، بأن الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة من أهم عوائق تحقيق مشروع الدولتين. أما موشي معاز فرأى أن الفرصة أضحت متاحةً للوصول الى اتفاق مع مجمل الشعب الفلسطيني، بعيداً عن الانقسامات. وطرح إيدو ديلكوفيتش موقفاً أكثر وضوحاً، حين اعتبر أن اليمين المتشدد في إسرائيل كان يتحجج بضعف تمثيل السلطة في الضفة لمجمل الشعب الفلسطيني، وأصبحت هذه الحجة الآن هزيلة للغاية. وأخيراً، اعتبر غابرييل ميتشل أن الاعتقاد بإمكانية تحقيق مشروع الدولتين مع سلطة الضفة، بمعزل عن حماس، أمر غير محمود، ويمكن أن يؤدي إلى مشروع الدول الثلاث، غير المناسب لأيٍ من الأطراف.

اليمين العنصري، إذاً، في الحكومة القائمة، يُعيد التأكيد على رفضه السلام، باللجوء إلى حجج الموسم. فإذا قامت المصالحة كانت وبالاً على السلام، وإذا ابتعدت فرص التقارب، فلن يجدي السلام مع الجزء، وإذا سيطر الجناح المعتدل في "حماس" على الساحة الغزّاوية، كان تمويهاً لعملياتٍ "إرهابية" يُعدّ لها في السر، إلخ... هذا المنطق أضحى روتينياً بالمطلق. في المقابل، يمكن أن يُعتبر الموقف الأمريكي الذي عبّرت عنه الناطقة باسم وزارة الخارجية أن "التوقيت مثير للمشكلات، ونشعر بالتأكيد بخيبة أمل إزاء الإعلان"، درساً "عظيماً" في الوقاحة السياسية.
http://www.alaraby.co.uk/opinion/