Suivez Salam Kawakibi

design by Studio4u
And Patrick Habis

فسبكة السياسة

POSTED ON 2013/09/06

مجلة تواصل

عندما دعى الشاب المصري وائل غنيم "أدمن" صفحة "كلنا خالد سعيد" الفيسبوكية إلى التظاهر في ذكرى عيد الشرطة المصرية يوم 25 كانون الثاني 2011، لم يكن يخطر بباله أن تؤدي مبادرته إلى هذا الزحف الجماهيري الذي ساهم بالإطاحة بحكم حسني مبارك الممتد منذ عقود. ومنذ ذلك التاريخ، اعتمد كثيرون على وسائل الاتصال الاجتماعي لنشر الأخبار وترتيب المظاهرات وتهيئة الاعتصامات، حتى أن العالم الافتراضي أضحى هو المسيّر للعالم الحقيقي أو هكذا "افترض" الملاحظون.

وكانت الوسائل "الافتراضية" ذاتها، قد أدّت خدمات كبيرة في حث شباب وشابات العالم على التضامن مع انطلاقة احتجاجات تونس السابقة لمصر والتي وجدت لها في المجال الافتراضي مساحة تعبير هامة ومؤثرة، لعب فيها التونسيون في المهجر دوراً أساسياً وحشدوا من خلالها طاقات متعددة الأشكال والتعبيرات لمساندة الحدث التونسي.

وقد تنبه المحللون السياسيون والباحثون العلميون في مجال السياسة والإعلام إلى هذا "السلاح" الفعّال الجديد وبدأوا في وضع النصوص واجتراع النظريات وعقد المؤتمرات لنقاش أبعاده ومآلاته. ووصل الأمر بالبعض إلى تبني تعبيرات تحمل توصيفاً مطلقاً وغير قابل للتشكيك كالقول مثلاً بأنها "ثورات الفيسبوك".

وبعد أن كان الفيسبوك، محمود الذكر، مساحة تعبير تبسيطي لمشاعر يومية أو ساعية أو لحظية تخاتل الفرد الطبيعي قبل اندلاع الحركات الاحتجاجية في الدول العربية، فهو بعد انطلاقتها قد أصبح مجالاً أساسياً للتعبير السياسي والفعل التحشيدي والتحليل الاستراتيجي وللخبر اليقين عند جهينة وأترابها. وبدأت ظاهرة تحوّله، أو تطوّره، باتجاه الإخبار "الموثّق والموثوق والتوثيقي"، هي أهم مميزاته. وتحوّل "مريدوه" ومرتادوه من مجرد ناس "عاديين"، من كل المهن والمراتب الوظيفية والمذاهب الدينية والانتماءات الوطنية وما قبل الوطنية، هم أفراد كاملي العضوية في المجتمع الإنساني، إلى منابر ومرجعيات ومراجع وشواهد.

وقد تجلّى الأمر في الحالة السورية بامتياز، حيث أضحى الفضاء الفيسبوكي الأساس في بناء الشعبية السياسية أو السمعة الفنية أو الخشية أو الترهيب أو التحبيب أو التنفير.

ومنذ بدء التحركات الاحتجاجية، استعملت هذا الفضاء الجديد المجموعات السياسية المختلفة وتنسيقيات الثورة السورية وما شابهها من تكتلات شبابية احتجاجية أو توعوية واستفادت بشكل جليّ وإيجابي من مساحاته التعبيرية وقدراته الزمنية وتفاعليته المتحركة بتواتر عالٍ. وقد وجدت طرائق النضال السلمي المختلفة في الشبكة مجالاً رحباً لتنتشر ولتتناقلها الألسن والممارسات من مشرق المنطقة العربية إلى مغربها. وبل حتى، استطاع بعض المتمكنين من اللغات الأجنبية التواصل مع نظراء لهم في الغرب للحصول على مناهج متنوعة في كيفية إدارة وتحفيز عمليات النضال السلمي.

وفي المجال الإعلامي، وحيث كانت الإرادة العليا الأمنية في أن تجري المذابح والاعتقالات والتدمير والانتهاكات في ظل غشاوة إعلامية تامة استندت إلى لغة خشبية أصابها التسوّس وسرعان ما تحولت إلى لغة مليئة بالمستوى المتدني أخلاقياً وإنسانياً خصوصاً فيما يتعلق بالشهداء والضحايا، فقد قامت بعض صفحات الشبكة بلعب دور إعلامي متميّز بعيداً عن التهييج أو الكذب المعاكس، وذلك بفضل وعيٍ فاجئ الجميع من قبل صحافيين/مواطنين لم يسبق لهم أن تكوّنوا مهنياً ولكن كانت الحاجة هي أم الاختراع.

وقد تميّز هذا العمل خصوصاً من خلال نشر صور ومقاطع مصورة من المظاهرات التي كانت تنطلق في مئات النقاط الجغرافية أيام الجمعة. وكانت أيضا مساحة رحبة للتصويت على أسماء تلك الأيام التي كانت تحمل رموزاً سياسية ومدنية واعية لتوجيه دفة الحراك الشعبي ووضع مطالبه في سلم الألويات. وساهمت الشبكة في العمل التوثيقي للجرائم والانتهاكات التي قامت بها السلطات الأمنية. إضافة إلى ذلك كله، استطاعت "الأذرع" الاغترابية للشبكة توصيل الخبر والصورة إلى شعوب عدة وبلغاتها مما أسس لقاعدة تضامنية إنسانية واسعة مترامية الأطراف جغرافياً.

وعندما تنبهت أطراف أضعف وعياً وأكثر دوغمائية وتنظيماً إلى هذا المجال الإعلامي الجديد والفعّال، انبرت بدورها لشغل مساحة هامة فيه. وقامت بتطوير عمل إعلامي موجّه، جانب الحقيقة أحياناً وبالغ في تشويهها أحياناً عدة، بحثاً عن الشعبوية السريعة. ونجحت هذه الصفحات غالباً في إزاحة الصفحات الجدية عن المقدمة وتمكنت من ملئ فراغ التغطية الإعلامية من خلال عبارات تحريضية ملوّنة حيناً بالطائفية وحيناً آخر بالمناطقية وأحياناً كثيرة بالمبالغات التي لا طائل منها في كسب التعاطف أو التأييد لثورة حق وكرامة وحرية.

وبالانتقال التدريجي غير المحمود وغير المنشود، ولكن الذي لم يكن هناك مفرّ منه، إلى العسكرة والفعل العنفي، أضحت أيضاً الشبكة مسرحاً لتناقل الأخبار العسكرية والقتالية، مما زاد من تأثير النوع الثاني المشار إليه سابقاً، أي الدوغمائي المنظّم، وجرى التركيز على عبارات كانت غريبة عن الخطاب الثوري في مراحله السلمية. وبعيداً عن أية أحكام قيمية، يعتبر هذا التطور "منطقياً" في مسار حراك تحول إلى الصدام العسكري والمقاومة المسلحة بفعل العنف غير المسبوق المستخدم من قبل السلطات وذلك قبل دخول الأطراف المشوِّهة والمشوَّهة حلبة الصراع.

انتقل فيسبوك الثورة السورية إلى محاكاة التكتلات المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، وأضحى لزاماً على كل فريق أن يكون له صفحة رسمية وصفحات مريدين وصفحات هتافات مؤيدة لهذا التيار أو ذاك من المعارضات وصفحات شتائم لهذا التيار أو ذاك. ومن خلال محاكاة مسارات تتميّز بالتشرذم وبالتناقض أحياناً، تنعكس الأمور على الصفحات، فتكون أشبه بحمام السوق الذي جفّت مياهه وتاه مرتادوه (ليس الحمام بل الفيسبوك) وضاعت خياراتهم، وأضحت اصطفافاتهم مرتبطة بمعايير غير منطقية زادت من الانقسامات في صفوف المعارضات السورية وزادت من قلة فاعليتها وزادت من ضعف مصداقيتها.

من خلال ملاحظة المثقفين العضويين لمدى تنامي تأثير أداة الاتصال الحديثة هذه، قاموا باختراق المحظور، أي الاندماج في مجتمع التفاعل السريع بعد أن كان ديدنهم التأني والتحليل المعمق والاعتماد على اللغة الصعبة نظرياً والمتداولة في مجالسهم النخبوية. وبدأوا بتعلم لغة الفيسبوك السريعة بإيجابياتها وسلبياتها، فأضحوا أحياناً "معلمين" أكثر جدارة من شباب الانطلاقة. وقد ساهمت هذه الهواية/الهوية الجديدة للمثقفين المندمجين مبدئياً/فعلياً مع مطالب الحراك الشعبي في مساعدتهم من جهة على التقرّب من "الشارع" السوري بعد أن أمضوا عقوداً يخاطبونه من دون أن يسمعهم إلا فيما ندر. ومن جهة أخرى، في التأثير والإثراء للغة الشباب الذين، بتواضع متميّز، قدّروا هذه الخطوة وأبدوا ترحيباً لائقاً وأدخلوا مفرداتها في خطابهم اليومي تقرّباً وتيمّناً.

بالمقابل، أثّرت الفسبكة الفكرية على نتاجات هذا المثقف العضوي، وأصبح، ومن دون قصد، يكتب نصوصه المطوّلة، إن سمحت له المتابعات الفيسبوكية بالوقت لذلك، آخذاً بعين الاعتبار، وأكرر، من دون أي قصد وتقصّد، ردود الفعل الفيسبوكية عليها، ومدى المشاركة بها والاعجاب فيها وتناقلها بين الصفحات المميّزة. وربما يجعل هذا العامل النصوص أكثر رحابة وتفهماً للقارئ الفيسبوكي، بحيث يجري تبسيط المفاهيم إلى حد مناسب، على أمل التأثير في الشريحة الأوسع. وربما أحياناً يؤدي هذا المران إلى خفض مستوى الحمولة الفكرية والمفاهيمية من النص. إنها مجازفة ذات وقع مزدوج سلباً وإيجاباً، والعابر بنجاح، هو المحظوظ وليس الأفضل دائماً.

وفي مرحلة متطورة من الأحداث الدامية المتلاحقة والمتصاعدة، أصبح هناك نجوم فسابكة (والتعبير لأستاذنا الكبير أحمد بيضون) خارج إطار التحزّب لمجموعة فكرية أو دينية أو مناطقية. فبرزت أسماء كان لأصحابها أدوار مختلفة في نسبة التأثير على مسار الحراك. وبدا أن الفضاء الفيسبوكي قد جذبها أو جذب من يلوذ بها إلى تسخير وقت لا بأس فيه للتغذية المستمرة بالأفكار القصيرة أو الخواطر السريعة/المتسرّعة أو التعليقات المبتورة. فكان منها الناشط الميداني أو الإعلامي أو السياسي، وكان منها المعارض الدائم أو المستجد أو المتذبذب، وكان منها الفنان المندمج مع ذاته أو الذي ما زال في مسار البحث عن الذات. وكان من مثقفي الثورة نجومٌ أيضاً. وبدأت المنافسة المستترة من خلال البحث اللاإرادي على تحقيق رقم قياسي في الإعجابات وفي المشاركات. وحتى أن البعض أشار في معرض حديثه عن تأثير أفكاره على الرأي العام بعدد أصدقاءه أو متابعيه. ونشأت أسباب الغيرة والحسد بين عدد غير قليل من "قادة" الرأي أو من يعتبرون أنهم كذلك.

وانهمك كثير من القادة السياسيون المعارضون والمنوطة بهم مهام "جسام"، نظرياً على الأقل، في السباحة في محيط الفيسبوك ومحاولة اصطياد كافة أسماكه العابرة أو المستقرة. فباتوا يخصصون من الوقت الكثير لوضع تصوراتهم السياسية في جملة أو اثنتين، لأن الفاست سياسة لا تتحمّل توسّعاً أكثر، وينتظرون التعليقات لينهمكوا مجدداً في الإجابة عليها. وهم عن ذلك يدافعون بأنه مجال تفاعلي ضروري لإبداء احترامهم "لجمهورهم" وتبادل الأفكار معه. أما الفعل السياسي الحقيقي، بعيداً عن رد الفعل السياسي الفيسبوكي الافتراضي، فله الله، أو هكذا يُخال. وبالتالي، أضحى العمل السياسي مفسبكاً أو يأخذ في اعتباره الفسبكة التي ستلي الإعلان عن موقف أو اتخاذ إجراء.

في هذا المجال، أذكر أن أحدهم دُعي إلى إجراء حديث هام مع صحيفة هامة غداة زيارة هامة إلى بلد هام، فاعتذر متحججاً بضيق الوقت، وكاد المرء أن يصدّق، إلا أن عند فيسبوكة الخبر اليقين، فلقد تبين أنه أمضى ساعات بعد ظهر ذات اليوم يتجاذب أطراف الحديث والتعليق والتوبيخ والإرشاد والوعظ على صفحته. وفي هذا الإطار، يعود التقدير إلى صاحب الأمر ولا مجال لانتقاده إن كان يؤمن بأن فسبكة مواقفه افتراضياً هو عمل أسمى من إيصالها مرتبة ومعمقة من خلال حديث صحفي واسع.

الإعلاميون بدورهم ارتاحوا إلى هذا الخليط من الإخبار والإخبار والصدق والتدليس والشتم والمديح ونشر الروايات الخيالية أو الواقعية. وصار عملهم الأساسي هو مراجعة صفحات العم فيسبوك لينهلوا منه ما يلهم كتاباتهم وصحفهم. فلم يعد الصحفي مهتماً بتقصي المعلومة أو القيام بتحقيق مهني، بل استند إلى هذا العملاق الافتراضي وأضحى مصدره ويقينه.

والقارئ النهم سابقاً للصحف، أضحى ملتفتاً إلى اختيارات أصحابه الافتراضين لما يقرأ ولم يعد منهمكاً كالعادة في زيارة الصحف وانتقاء ما يناسبه أو مقاطعة الأخبار لكي يخرج بمحصلة منطقية ملموسة لما يحيط ويحيق به. ولم يعد أحد يطيق النظر إلى مقالة تطول وتشرح فكرة وتخوض في حيثياتها وتعرض أبعادها. أضحى المطلوب هو السرعة والاختصار الممجوجين وأضحى البحث عن الجملة / الحدث / الصدمة التي تجذب زائرين وليس قارئين.

أداة ممتعة، مرهقة، مستهلكة للوقت، مفيدة بقدر ضررها، تبعدنا عن الكتب وعن الصحف وعن الأبحاث وعن التعمّق. بالمقابل، فهي تقرّبنا من بعض حباً، إعجاباً، شتماً، تخويناً، تشكيكاً، حذلقةً. ونكاد ننهي اليوم بالقول: أفٍّ ,, لقد تعبنا اليوم، وأنجزنا الكثير للثورة السورية، لقد أمضيت كذا ساعة على الفيسبوك. وفي هذه الأثناء، سوريون يموتون ويرمقون بعض الفسابكة بنظرة ملؤها الفراغ الأسود. ولسان حالنا كما يقول الصديق المخرج عروة نيربية في تعليق فيسبوكي : "لا وقت عندنا لمساعدتكم أحبتنا في الحصار. عمنشتغل ببعض..".