Suivez nous!

Dernier Numéro

design by Studio4u
And Patrick Habis

شرق اوسط جديد يولد امامنا// Vers un nouveau Moyen-Orient?

Ghassan El Ezzi:
17 حزيران (يونيو) 2010
يمكن القول ان تركيا اضحت اليوم لاعبا أساسيا يصعب تجاهله في معادلات الشرق الاوسط المركبة.وقد ارتقت الى هذا الموقع بسرعة قياسية وبمجرد ان اتخذت قيادتها السياسية القرار بالعودة الى الجذور بديلا عن التسكع على أبواب الاتحاد الاوروبي الذي لا يبدي ترحيبا بها كعضو فيه.

لقد وجدت تركيا مكانا واسعا لها في الفراغ الذي تركه العرب في قمة النظام الاقليمي الشرق-اوسطي . وكانت ايران قد عثرت على مكان رحب في قمرة قيادة هذا النظام منذ صبيحة انتصار ثورتها الاسلامية,لكنه مكان راح يضيق تدريجيا لاسباب عديدة. فالحرب الطاحنة مع العراق,وبمعزل عن البادىء والمعتدي, أخافت دولا عربية عديدة لاسيما على خلفية شعارات تصدير الثورة واسقاط الانظمة المتحالفة مع" الاستكبار العالمي" وما شابه.ولأنها فارسية وشيعية تعتنق ولاية الفقيه فانها كانت هدفا سهلا لمن سعى الى مواجهة نفوذها لاسيما لدى الجماهير العربية المتعطشة لرؤية "اسرائيل" تواجه مآزق سياسية او عسكرية ومقاومة كتلك التي تدعمها ايران في لبنان و فلسطين.وقد ساهم تحالفها مع سوريا في جعلها زعيما لمحور وسم بالممانعة في مواجهة محور عربي وسم بالاعتدال. أضف الى ذلك ان الاحتلال الاميركي لافغانستان ثم للعراق فتح مجالا جيوبوليتيكيا لم تكن لتحلم به ايران المحاصرة التي يجمع المراقبون على انها المستفيد الاكبر من هاتين الحربين. اما برنامجها النووي وما يحيط به من جدال ومواجهات فانه وضعها في موقع من يتحدى ويقارع أقوى الدول وأكثرها عراقة في الدبلوماسية وحياكة السياسات الدولية . لقد أضحت ايران لاعبا لايمكن تجاوزه في المعادلات الشرق أوسطية المعقدة والمتشابكة من فلسطين الى افغانستان مرورا بلبنان والعراق وغيرهما.

مع ذلك يبقى النفوذ الايراني محدودا في المنطقة العربية رغم كل الجهود المبذولة منذ نيف وثلاثين عاما. ويكاد النفوذ التركي يعادله او يتخطاه على الرغم من حداثة عهده ومحدودية الجهود المبذولة من اجله الى الآن على الاقل. كان يكفي ان تتخذ انقره عددا من المواقف السياسية المناهضة ل"اسرائيل" في عدد من المناسبات حتى يرتفع العلم التركي في المظاهرات العربية وتلتئم الجامعة العربية بحضور ممثل لتركيا بدا وكأنه هو قائد الاوركسترا الحقيقي. والرئيس بشار الاسد بات يبدو على مسافة واحدة تقريبا من حليفيه الرئيسين أحمدي نجاد والطيب اردوغان.هذا الاخير صار زعيما يعلق عليه كثيرون, في العالم العربي, الامل لردع "اسرائيل" من الاستمرار في سياساتها التي لاتعير انتباها لحق او قانون او اخلاق.

لكن هل تذهب الازمة التركية-"الاسرائيلية" أبعد مما ذهبت اليه حتى الساعة؟ من المؤكد ان ثمة سقف لهذه الأزمة لا يريد ولا يستطيع طرفاها تجاوزه.؟ فلن يكون هناك حرب بينهما ولا وقف للعلاقات الدبلوماسية او قطيعة نهائية تضرهما معا. والطرف التركي حقق في يوم واحد كل مطالبه المباشرة من قبيل اطلاق سراح السفن والناشطين وحتى رفع الحصار عن غزة.فمسارعة مصر الى فتح معبر رفح يمكن تسجيلها كانتصار لتركيا التي أحرجت مصر الدولة العربية الكبرى التي لم يعد بإمكان رئيسها ان يستمر في حصار غزة الذي أعلنت هيلاري كلينتون نفسها بانه لم يعد مقبولا. كذلك نجحت انقره في ان تصبح محط أنظار العالم أجمع من خلال المؤتمرات التي تعقدها واللقاءات التي تنظمها والاتفاقات التي ترعاها وأبرزها الاتفاق النووي مع البرازيل وإيران والذي تمسكت به كي تصوت ضد القرار الذي صاغه حليفها الأميركي في مجلس الأمن لمعاقبة طهران.

وعلى الأرجح ان مباحثات تجري خلف الكواليس سعيا وراء حل للازمة التركية-"الإسرائيلية" الحالية عبر اتفاقات تحفظ ماء الوجه للجميع: شكل من أشكال رفع الحصار عن غزة يتيح لنتنياهو القول انه حقق هدفه المتمثل بمنع السلاح من الوصول الى حماس, وشكل من أشكال التحقيق الدولي يلبي مطلب انقره دون ان يبدو هزيمة ل"اسرائيل" التي ستشارك فيه أيضا.

لا يضير الولايات المتحدة في شيء ان تستحوذ تركيا ,العضو في حلف الأطلسي,على مكانة مرموقة في الشرق الأوسط تمكنها من لعب أدوار(مفاوضات سورية-"إسرائيلية" على سبيل المثال لاالحصر) تخفف من الأعباء الملقاة على كاهل الأميركيين الذين أخفقوا في كل ما فعلوه. لكن يبدو ان انقره ذهبت ابعد مما كان يتمناه الأميركيون ويسمح به"الإسرائيليون" الذين على الأرجح أنهم تعمدوا امتحان تركيا من خلال هجومهم على قافلة الحرية.لقد قرأ اردوغان الرسالة جيدا ورد عليها بسرعة وحزم ووضوح فحلق نجمه عاليا في سماء المنطقة العربية. واذا تمكن من دفع الحكومة "الإسرائيلية" الى السقوط ,بطريقة أو بأخرى,نتيجة هذه الأزمة فانه يكون قد أسدى خدمة جليلة للرئيس أوباما الذي يعتبره المراقبون أكثر الرؤساء الأميركيين تعلقا بتركيا التي اختارها ليطلق منها نداءه الشهير الى العالم الإسلامي لفتح صفحة جديدة من التعاون والتقارب.وإسقاط حكومة نتنياهو يكاد يكون هدفا معلنا لأنقره ومضمرا لواشنطن التي دخلت في معركة انتخابات الكونغرس النصفية التي يقوى خلالها نفوذ "الايباك" بشكل ملحوظ.

ومهما يكن من أمر فان الشرق الاوسط يمر في حالة إعادة تموضع وربما توازن جديد بين لاعبين غير عرب: تركيا وايران من جهة (لاتنافس او تعارض بينهما على المدى المنظور ) و"إسرائيل" من الجهة المقابلة.لكن ثمة مكان في المعادلة الجديدة للاعب عربي كبير فأين هو؟.