Suivez Salam Kawakibi

design by Studio4u
And Patrick Habis

ساحة الباستيل وأعلام العرب

Article paru dans le quotidien : djazairnews daté du 7 mai 2012

يوم السادس من أيار، عاشت ساحة الباستيل في باريس احتفالات امتدت حتى الصباح بمناسبة فوز فرنسوا هولاند، بالرئاسة الفرنسية بعد الجولة الثانية من الانتخابات، والتي شارك فيها أكثر من 08 في المئة من الناخبين المسجلين. وفرح بعض الفرنسيون ممن انتخبوا هولاند، حتى الثمالة وحزن الآخرون الذين أملوا باستمرار نيكولا ساركوزي. وبعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، سينتظر الجميع البرامج الحقيقية، وليس الانتخابية، التي ستوضع موضع التنفيذ، كما أنهم سيتابعون وعن قرب تصريحات المرشح الفائز لمطابقتها مع الوعود الانتخابية. وفي هذا الإطار، تميّزت وعود هولاند الانتخابية بالواقعية والتواضع، مما يسهّل مهمته نسبياً، رغم أنه سيواجه تحديات ليس أصعبها إقناع شركاء فرنسا الأوروبيين، ذووا اللون اليميني غالباً، وعلى رأسهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بقبول الإصلاحات المقترحة منه في المجال النقدي على أقل تقدير. وسيُحاسب 25 بالمئة من الناخبين الذين اختاروا هولاند رئيسهم الجديد على التزامه بمسارين أساسيين في خطاب الانتصار : العدالة والشباب.

فالعدالة القضائية ليست في مأزق بالتأكيد في هذه البلاد ولا تدخلات سياسية واضحة في مساراتها ولا هي تعاني من فساد مؤسسي وهي من دعامات الديمقراطية الأساسية. أما العدالة الاجتماعية، فقد عانت كثيرا من السياسة الاقتصادية النيوليبرالية النسبية ومن الإدارة اليمينية للأزمة الاقتصادية التي تعصف بأوروبا. لماذا النيوليبرالية النسبية؟ لأن فرنسا اتتمتعب بنقابات عمالية ومهنية ثقيلة الوزن وذات فاعلية لا لبس فيها في رسم المسار أو تصحيح انحرافاته. وبالتالي، فمن الصعب على الحكومات النيوليبرالية أن تمارس بحرية قصوى منهجها المسيء للعدالة الاجتماعية. في المقابل، لا يستطيع اليسار أن يلتزم، مهما صدق، بمبادئ العدالة الاجتماعية الشاملة وذلك لالتزامه بإدارة بلاد تعتبر جزءا من منظومة اقتصادية رأسمالية على أقل تقدير، تحيط بها وتتعامل معها وتستند إليها في بناء إطار اقتصادي أوروبي متجانس نسبياً. لذا يُعتبر الحكم في هذه الظروف كعمل صائغ المجوهرات بدقته وحساسيته ومقدار الخسائر التي يمكن أن تنجم عن الخطأ في ممارسته.

من جهة أخرى، تعاني فئة الشباب في المجتمع الفرنسي من أسوء نتائج الأزمة الاقتصادية، وذلك في مجالات عدة. فمنذ المرحلة الدراسية، قامت الحكومة السابقة بتقليص الاعتمادات التربوية نسبيا وأعادت رسم الخارطة التعليمية وكانت لها مواقف بعيدة عن دعم العاملين في القطاع التربوي باعتبارهم خزان أصوات لليسار تاريخياً. وقد تأثرت المدارس عموماً بهذه السياسة الحذرة والتي قلّصت من الاهتمام بهذا القطاع الأساسي في الدولة الحديثة. إضافة إلى هذا الجانب، قام اليمين بسنّ تشريعات تُدير العملية البحثية بطريقة اقتصادوية بحتة وصار على المخابر البحثية أن تدعم برامجها من خلال التشاركية مع القطاع الخاص العامل في مجالاتها. أما القطاعات البحثية العاملة في العلوم الاجتماعية، فلاقت صعوبات جمّة في الحصول على مثل هذا النوع من التمويل لما لأبحاثها من تأثيرات منخفضة على العملية الإنتاجية للمؤسسات الكبرى بشكل مباشر وفوري. إضافة إلى المدارس ومخبر الأبحاث، فقد عانت الجامعات أيضاً من نقص في الاعتمادات وفي فرض استقلاليتها المالية مما يدعوها إلى رفع أجور الانتساب إليها وهي التي كانت تُعرف عالمياً بمجانيتها. وعانى التكوين المهني للشباب من نفس السياسات الاقتطاعية. ووجد الكثيرون ممن يذهبون إلى الجامعات والمعاهد بأنهم يضيعون وقتهم سدى لعدم وضوح المآلات في مجال العمل والتوظيف. إن تطلعات الشباب في فرنسا المحبطة، ساهمت كثيراً في نجاح هولاند وهو يعي ذلك ويعي أيضاً بأنه مُلتزم بحد أدنى من الالتزام بوعوده.

ولكن هذا الحكم الفعلي لم يقع بعد في أيدي اليسار بالمعني التنفيذي، فرئيس الجمهورية الجديد، سيسعى ومحازبيه إلى حشد القوى للانتصار في الانتخابات التشريعية في حزيران/ يونيو القادم، درءاً لصعود اليمين واليمين المتطرف الذي شمّر عن ساعديه وربما سيدخل البرلمان لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة. تلك الانتخابات هي التي ستمنح هولاند إمكانية الارتياح إلى تشكيل حكومة تضم حلفاءه من الخضر أو من دعموه دونما قناعة ببرنامجه الانتخابي من ائتلاف اليسار. وإن كانت الغالبية في البرلمان المقبل ليست في طرفه، فستعود فرنسا إلى حكومة التوافق أو التعايش التي عرفتها بين شيراك وجوسبان، وستدار الأمور الداخلية فيها بقصور وتردد، وستكون مرحلة انتظار وترقب وخشية من أية قرارات أساسية وعميقة التأثير.

هناك مفاجآت عديدة، وليست بالضرورة سارة، ستحملها الأسابيع المقبلة خصوصاً فيما يتعلق بصعود اليمين المتطرف، وسيشهد اليمين التقليدي عملية اإعادة بناءب وصعود أسماء جديدة إلى المشهد السياسي إن التزم فعلاً ساركوزي بما أعلنه فور إعلان النتائج بأنه سينسحب من العمل العام. وهذه العملية قد تُقصي الديغوليين التقليديين ليجدوا أنهم اقتربوا أكثر من يمين الوسط وتتعزّز علاقات جزء آخر من اليمين مع متطرفي الجبهة الوطنية التي ستكون رئيستها مارين لوبين، اللاعب الأساسي على الساحة السياسية. لوبين هذه، تعتبر الرابح الأكبر من خسارة ساركوزي بحيث تُعيد تقديم خطاب يميني شوفيني عنصري واضح بعيداً عن خطابات اليمين التقليدي حماّلة الأوجه.

أما فيما يخص السياسة الخارجية، فلا يغيب عنّا بأن فرنسا دولة مؤسسات وبأن تقني السياسة الخارجية لا يتغيرون مع تغير الرؤساء، مع أن شخصية القائمين على الشؤون الخارجية تختلف كما طرائق عملهم وطرائق التعبير عنها، إلا أن المضمون هو في الأساس التعبير عن مصالح الدولة الفرنسية. ليس من المحتمل أن يأتي هوبير فيدرين، إلى المنصب إلا بمفاجأة على الرغم من مساهمته الفاعلة إبّان الحملة الانتخابية في تقديم المشورة على الصعيد الخارجي. أما لوران فابيوس، رئيس الوزراء السابق، فاسمه يتردد كثيراً وبمؤشرات متصاعدة، وربما كان هذا الأمر أكثر إيجابية خصوصاً للعرب الثائرين أو الساعين إلى حريتهم من أنظمة الاستبداد. هذا بالتأكيد ليس انتقاصاً من حرفية وعمق ثقافة فيدرين ودوره في إدارة ملفات عالمية عدة، ولكنه يتعلق بموقفه البراغماتي من مسألة الحقوق والحريات وعلاقتها بإدارة السياسة الخارجية، التي وإن اتفق الجميع على أنها تُجانب النفاق، إلا أنها تهمّش بطريقة مستفزة أحياناً الجانب الإنسانوي في إدارة العلاقات الدولية.

بعد انطلاق احتفالات ساحة الباستيل، هتف لي صديق فرنسي يميني مصدوماً وشاجباً لظهور أعلام الثورات العربية بين الجموع وقال لي بالحرف الواحد : هل تعتقد بأنه سيكون مقبولاً أن يرفع السوريون أو المغاربة أو الجزائريون في بلدانهم أعلاماً فرنسية في احتفالات انتصاراتهم الانتخابية؟ إن أردت أن أجيبه، فيكن لي بأن أعتبر ما حصل ويحصل هو جزءٌ من ثراء الحضارة الفرنسية التي تعترف بمجمل مكوناتها وبمجمل المؤمنين بقيم الحرية والعدالة والمساواة التي وضعتها الثورة الفرنسية. ولاعتبرت أيضاً بأن هذه الأعلام هي جزء من الالتزام بقضايا الآخرين الذي تميّزت به فرنسا مجتمعاً مدنياً على الأقل. وربما لقلت له بأن المقيمين في باريس، من هذه الدول يشاركون الآخرين باحتفالات الديمقراطية في محاولة للمماثلة النظرية. ولكنني ابتسمت مبتعداً عن الجدال ومستمتعاً برؤية الأعلام السورية والتونسية والمصرية وغيرها ترفرف في ساحة الباستيل ومتفائلاً بأن يكون الرمز هو جزءٌ من صناعة التاريخ.

http://www.djazairnews.info/trace/37-trace/38524-2012-05-07-17-16-30.html