Suivez Salam Kawakibi

design by Studio4u
And Patrick Habis

اليعاقبة الجدد والدولة/ الأمّة

11 مايو / أيار 2014

في المباراة النهائية لكأس فرنسا في كرة القدم، والتي حضرها الرئيسان الفرنسيان الحالي، فرنسوا هولاند، والسابق، نيكولا ساركوزي، وجرت قبل أيام في باريس، تقابل فريقان من مقاطعة البروتاين الفرنسية (شمال غرب). وأمام عشرات آلاف من الحضور وملايين من المشاهدين على التلفزة، أثبتت الدولة الفرنسية، على الرغم من كل أزماتها الاقتصادية والسياسية، أنها قوية ومتماسكة، وتحمل الثقة المريحة في مكوناتها، وفي طريقة تعاملها المركزية مع هذه المكونات، على الرغم من بعض الحفيف الإعلامي النادر حول النزعات الانفصالية، لدى بعض المقاطعات ذات الثقافات المتميّزة

الدولة في فرنسا شديدة المركزية نسبياً، على الرغم من الصلاحيات المتقدمة للمجالس الجهوية ومجالس المحافظات. ويُعتمد فيها مبدأ الدولة اليعقوبية. نظرية فلسفية/ إدارية انطلقت إثر الثورة الفرنسية سنة 1789، نسبة إلى نادٍ تأسس إبّانها في دير سابق للرهبان اليعاقبة في باريس. أساس الفكرة هو الدولة المركزية المستندة إلى مؤسسة إدارية متماسكة وقوية، والمتنافية، حتماً وحكماً، مع فكرة الفيدرالية، القائمة على أساس تجمّع ثقافاتٍ، أو دياناتٍ، أو مجتمعات مختلفة، ضمن إطار الدولة.

وعلى الرغم من أن هذا المبدأ كان ملائماً لمرحلة الثورة التي اشتدت، من خلالها، الرهانات والمخاوف، إلا أنه أصبح حديثاً مرتبطاً بفكرة الدولة المركزية. ووصم، أيضاً، في مراحل تاريخية سابقة، بأنه ديكتاتورية الحرية، أو الديكتاتورية الثورية. وأضحت العبارة مرادفة لصفة الدولة الباريسية، استناداً إلى اسم العاصمة الفرنسية، حيث تتركّز السلطات فيها، وفي رجالاتها، بعيداً عن أية فيدرالية، أو نوع من الاستقلالية الإدارية للمقاطعات الفرنسية المختلفة.

المباراة النهائية، إذن، جرت في باريس، وفي احترامٍ رمزي لمبدأ اليعقوبية، حتى في الرياضة، على الرغم من أنها تجمع فريقين من خارجها عملياً. وفي مشهد الافتتاح، وقبل نزول اللاعبين إلى أرض الملعب، أخرج الحضور (70 ألف متفرج) في المدرجات أعلام مقاطعاتهم، ليلوّحوا بها في منظر فرح شعبي غامر. ولم يخرج علم فرنسي واحد في أكبر ملاعب فرنسا. وكانت كاميرات التلفزة تتابع المدرجات حيناً، وتلقي بنظرات خاطفة على السدّة الرئيسية التي جمعت الرؤساء والوزراء والمسؤولين الذين كانوا، وبوضوح شديد، مرتاحين من أعباء العمل والتوتر السياسي السائد باريسياً، خصوصاً بعد نتائج الانتخابات البلدية، وتعيين الحكومة الجديدة.

بدأت، إثر ذلك، الموسيقى تصدح في أرجاء الملعب، فوقف الجميع احتراماً للنشيد الذي عُزف حيّاً على أرضه. وللوهلة الأولى، يمكن الاعتقاد بأنهم وقفوا للنشيد الوطني الفرنسي (المارسييز)، نشيد الثورة، نشيد اليعاقبة، إلا أنّه، وخلال لحظات، توضّح أن الفرقة الموسيقية تعزف النشيد القومي لمقاطعة البروتاين ذات الثقافة السلتية. وأن المغنية المشهورة القادمة من هذه المقاطعة تغني النشيد باللغة المحلية، وأن المدرجات كانت ترقص مع تمّوج عشرات الألوف من الأعلام المحلية التي رفعها مَن كانوا يتابعون الغناء بوضوح مع المغنية المركزية، باللغة المحلية نفسها أيضاً. وطبعاً، ومن دون تركيز شديد، مرّت الكاميرا على السدة الرئيسية التي تمثّل نموذج الحضور الرسمي، وكان الجميع يُتابع، بهدوء وارتياح، وقوفاً، هذا المشهد. حتى أن رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، وهو القادم أيضاً من المقاطعة نفسها، ظهر وهو يغني النشيد القومي مع الآلاف. وعند الانتهاء من هذا النشيد، انتقلت الفرقة لتعزف النشيد الوطني الفرنسي، نشيد الثورة الفرنسية. وكان مجموع الحضور، بسدته الرئاسية وبمدرجاته الشعبية، قد ظلّ واقفاً بخشوع، وشاركوا في غناء كلماته الاسطورية.

انتهى المشهد، وجلس الحضور بعد التصفيق للنشيدين، ولم يُعلّق أحد من الصحافيين، أو المتابعين، في اليوم التالي، ولا الذي تلاه، على ما يمكن لقادمٍ من بلادٍ ضعيفة البناء والتكوين والانتماء أن يُعبّر عنه إزاء مثل هذا الموقف. فلم يُدن أحد النزعة "الانفصالية" انتماءً أمام هذا التوزّع الموسيقي والغنائي. ولم يعبّر أحد عن امتعاضه من تقدّم النشيد القومي على الوطني. ولم تتشنّج الأقلام إزاء رفع أعلامٍ تٌشير بوضوح إلى هوية مكوّن وطني، مختلف بلغته وبثقافته وبموسيقاه، ولكنه ينتمي، من دون لبس أو مواربة، إلى هذه الدولة/ الأمة، بسلبها وبإيجابها. فالدولة القوية المتماسكة والمتمكّنة، لا تخشى على وحدتها من التعبيرات الثقافية والقومية المختلفة، بل وتشجعها، لأنها قامت على أساس عقد اجتماعي واضح المعالم، وصريح الأطراف. أما الدول القائمة على نظريات شوفينية وعنصرية وإيديولوجيات إقصائية، ديناً أو فكراً، فهي عدوّ لدود وطبيعي لكل مثل هذه المظاهر.

مقاطعات عدّة في فرنسا تحمل تراثاً ثقافيا مختلفاً، مع تنوّع لغوي محلي، تنتمي إلى الدولة اليعقوبية، من دون أي شعور بالنقص. بعض التحركات التي تدّعي الانفصالية في جزيرة كورسيكا المتوسطية لا تتعدى كونها مناوشات مافياوية، لتحسين ظروف اقتصادية، لا أكثر ولا أقل. خصوصاً عندما نرى أن جزءاً أساسياً ومهماً من الآلة الإدارية المركزية المعقّدة منحدرٌ من هذه الجزيرة.

عندما تفشل العنصريات أو التعصبات أو الانغلاقات أو الاقصاءات في بناء الدولة، يكون من السهل تجريم الآخر الخارجي، أو الداخلي. أما الاعتراف بالتنوع على مختلف أشكاله فهو الدعامة الأساس لبناء الوطن.
http://www.alaraby.co.uk/opinion/