Suivez Salam Kawakibi

design by Studio4u
And Patrick Habis

العنصرية الافتراضية

8 يونيو 2014

حققت أحزاب يمينية متطرفة نسبة عالية من النجاح، في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة. وبدا المشهد، لمن أحب أن يراه كذلك، مشوّشاً بالتطرف المعادي للأجانب الذي خٌيّل لبعضهم، أيضاً، بأنه أضحى المسيطر على عقلية وممارسة الغربيين عموماً، والأوروبيين خصوصاً. وغفل غالبية المعلقين العرب في معالجاتهم هذه الظاهرة/ الكارثة، عن طبيعة التصويت لهذه المؤسسة التشريعية، والعوامل المؤثّرة فيها، من حيث نسبة المقترعين والخلفيات الاقتصادية والاجتماعية لمن صوّت، ومن أجل أيٍ من الأهداف السياسية والاقتصادية فعل. كما غاب عن محللين عرب كثيرين أن الدافع الأول، وربما الوحيد، لمن صوّت لهذه الأحزاب هو اقتصادي/ معيشي، حيث استطاعت من خلاله "عصافير" التطرّف اليميني أن تغني ألحاناً عذبة، لمن يعاني من البطالة، وتقع عليه نتائج أسوأ كارثة اقتصادية، تضرب أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. ولم تفلح غربان الأحزاب التقليدية في إصدار أصواتٍ جاذبة، معزّزة بذلك تخبّطها وضياع المعالم المحددة لسياساتها. وجلب الخطاب الشعبوي اليميني ناخبي اليسار التقليديين من الطبقات العاملة التي شعرت بأن المشروع الأوروبي، اقتصادياً على الأقل، يهدّد مصالحها، ويُعزّز من إمكانات حرمانها.

بالطبع، يعتمد كل خطاب متطرّف وشعبوي عموماً، في صلب مقومّاته على التخويف من الأجنبي، وكل ما يحيط بهذا الأجنبي من أساطير ثقافية ناجمة، عن معادلة من جزئين: جهل بالآخر من جهة، وجهل الآخر بما يلزم القيام به، ليكون عنصراً إيجابياً، بعيداً عن لعب دور الضحية المستمر، والذي أضحى مملاً أحياناً، من جهة أخرى. وبالتالي، يعتمد أصحاب هذه الأحزاب، وهم بالمناسبة من أشد الداعمين لمستبدي العالم العربي بأنواعهم وأجيالهم كافة، على تعزيز الخوف من الآخر، المسلم تفضيلاً، لأنه يحمل ثقافة مختلفة، وله ممارسات مميّزة غير "منسجمة" مع ما يعتبرونه قواعد غربية، نابعة من ثقافة ذات بعد مسيحي طاغٍ. وهؤلاء، بغالبيتهم، لا يلقون أي دعم من الكنيسة، ولكنهم "يسرقون" صوتها الذي طالما دعا إلى التعايش والانفتاح على الآخر، والاستفادة منه روحانياً وعملياً.

في هذا الوقت، تتناقل شبكة الإنترنت العربية، في مختلف أدواتها التويترية والفيسبوكية والبلوغية، مقطعاً مصوراً لحوارٍ عنيفٍ بين سيدتين في عربة مترو باريسية. الأولى، شابة تلبس غطاء الرأس، والثانية مسنّة، تبدو عليها ملامح البرجزة الباريسية "العريقة". ونرى أن الباريسية تعبّر عن سخطها لوجود هذه "الأجنبية المسلمة"، وتعدّيها على مساحتها الجغرافية، وتعتبر أنه لم يعد من مكان لأهل البلد "الأصليين" مع هذا الوجود "الأجنبي" الكثيف. والشابة ذات الحجاب، تؤكّد للعجوز بأنها فرنسية أيضاً، ولها ما للآخرين من حقوق، ولا داعي لهذه العدائية الرخيصة، والتي في غير محلها. وينبري الآخرون من الركاب إلى تأنيب السيدة المسنّة على موقفها وتأففها. قال بعضهم لها إن هذه هي فرنسا المتنوعة، وإن لم ترغبي بها، غادريها. واستغرب آخرون عنفها اللفظي تجاه هذه الشابة التي لم تدس على طرف ثوبها. ومن المشهد القصير، يبدو أن شخصاً واحداً يؤيّد عنصرية المسنّة، ويؤازر طرحها، ولكنه يُجابه، أيضاً، بعبارات الاستغراب والتنديد من بقية الركاب.

انتهى المشهد المتناقل عبر الأثير، لتتدفّق تعليقات آلاف العرب والمسلمين، معتمدة على حسّ متأجج في التعبير السريع وغير المتروّي على الأحداث، وباستسهال الوسيلة الإلكترونية طبعاً. فاستعملت الآيات القرآنية التي يدّعي من وظّفها أنها تُنهي عن التعاون والتعامل مع "النصراني واليهودي"، وهو طبعاً السيدة المسنة العدائية تجاه المرأة المسلمة والمسالمة. وينبري آخرون ليشتموا هذا الغرب "الزنديق" الذي "يدّعي زوراً وبهتاناً احترام حقوق الإنسان، وها هو لا يقبل بالحرية الشخصية لهذه الشابة. أما من أراد أن يعطي بعداً أكثر ثقافوية لطرحه، فقد "حلّل" بما تيسّر من أدوات، وبما استطاع من مفاهيم، غالباً لم يفهمها من المنبع، معتبراً أن هذا الشريط هو الدليل القاطع على عمق ثقافتنا وأخلاقنا، وضحالة ثقافتهم وأخلاقهم، على الرغم مما يدّعون.

قلةٌ من انتبهوا إلى أن هذا المشهد كان تمثيلياً، استعملت فيه تقنية الكاميرا الخفية. حيث قامت ممثلتان بلعب الدورين، ضمن برنامج تبثّه القناة الرابعة الفرنسية، يسعى إلى تطبيق مفهوم الكاميرا الخفية في حكايات ذات أبعاد اجتماعية وثقافية، تتطرّق، فيما تتطرّق إليه، إلى التمييز والتحرّش والتعامل مع أصحاب الاحتياجات الخاصة والفقراء .. إلخ.

توعية ذكيّة تضع المشاهد أمام مواقف شبه واقعية، وتسائله عن تصرّفه إزاءها. وعي ثقافي إلى دور وسائل الإعلام، في تعزيز المفاهيم المشتركة والانفتاح والتعايش، يُجابهه جهل في ردود الأفعال، وتحفّز دائم، لكي نلقي باللوم على هذا "الآخر" الغربي. العنصرية مرض كوني، وهي موجودة لدى الإنسان حصراً. وما تطوير الشعبوية في المواقف لدى المتطرفين من الغربيين إلا الوجه الآخر من العملة الصدئة للشعبوية المتعصبة لدى المتقوقعين من العرب، ومن في حكمهم. الخروج من عنق الزجاجة يحتاج إلى تروٍ، قبل إطلاق الأحكام المسبقة لدى الطرفين.