Suivez Salam Kawakibi

design by Studio4u
And Patrick Habis

الدب الروسي والعسل الدولي

7 أبريل 2014

مريحٌ أن يتم التطرّق إلى السياسة الروسية في العالم، وكيفية تعاملها مع القضايا والأزمات الدولية، من زاوية تحصر الأمر بأطماع إمبراطورية، ورغبات توسعية، ونهم تسلطي. ومن السهل شيطنة القيادة الروسية، في مقاربتها الحقوق الإنسانية، وعسفها في معاملة الجمهوريات الداخلة في تركيب اتحادها. ومن الطبيعي أن تُدان الانتهاكات المحلية والإقليمية التي تقوم بها الإدارة السياسية والأمنية الروسية، ودعمها النظم الفاسدة والمفسدة في أصقاع العالم، بهدف زعزعة سيطرة القطب الواحد، القائمة منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي. هل يكفي هذا، لكي نغلق الملف الروسي المتفجّر، راضين عن استنتاجاتنا؟

عرف التاريخ الحديث، على الأقل، عديداً من انتقامات الدول الجريحة، عندما تسنى لها ذلك. وأشهرها إطلاق ألمانيا النازية، في ثلاثينيات القرن الماضي، الحرب العالمية الثانية، بعد شعور عميقٍ بالإذلال والخضوع الذي فُرض على الأمة الألمانية، في الاتفاقية التي أنهت الحرب العالمية الأولى، باستسلام مهين لبرلين. وإن كان يمكن الاعتقاد بأن هذا العمل الانتقامي أَسفر في المحصلة عن هزيمة جديدة لألمانيا سنة 1946، لكن هذه الحرب أودت بحياة الملايين، ودمرت الدول، وزرعت في ذاكرة البشرية أبشع المذابح التي ارتبطت بالتطهير العرقي. وأثبتت بأن المنتصر في كل الحروب لا يكون إلا الموت، موت البشر كما العمران، كما الزرع، كما الضرع.

ومراقب تسلسل أحداث العشرية الأخيرة من القرن المنصرم يرى، بشكل جليّ، أن تكاثر السكاكين على الدب الجريح لم تترك له مخرجاً، إلا أن ينبثق كطائر العنقاء من تحت رماد الرغبة القطبية الواحدة.

روسيا، ومنذ تدمير اتحادها السوفييتي بغلاسنوست ميخائيل غورباتشوف الذي فككها، قبل أن يتحوّل إلى تمثيل الدعايات لحقائب الأثرياء، عرفت رئيساً سكّيراً بشخص بوريس يلتسين، أجمع كل من التقى به من زعماء العالم على أنهم تمتعوا بفكاهته، وضحكوا منه وعليه، ولم يتحدثوا معه بأي أمر جدي يذكر. روسيا التي عرفت مجداً غابراً، بكل مساوئه التسلطية، وبعض محاسنه الثقافية، أو الاجتماعية، إن كان في حقبة القياصرة، أو فترة البلاشفة، تشعر بأنها تُهان في المحافل الدولية، وفي اقتسام الكعكات الاستراتيجية. ويتم ذلك بدءاً من التفاف جمهوريات السوفييت السابقة حول الغرب، وانضمام أغلبها إلى الحلف الأطلسي، مروراً بطرد مذلّ، تضافرت فيه جهود ديمقراطية ودينية ومافياوية، أَخرجها من أفغانستان. وتلاه، في سنوات التسعينيات، إعادة ترتيب البيت البلقاني، بعيداً عن مصالحها الإقليمية، ومخاوفها الأمنية وتطلعاتها الاستراتيجية. ومن ثم، أتى الغزو الأميركي لطرد حليف لها، كان في فترات سابقةٍ حليفاً للغرب، وهو من أعتى طغاة التاريخ الحديث ومستبديه في العراق. وتلاها ثورات ديمقراطية في بلدانٍ، حافظت نسبياً على علاقة جيدة معها، كجورجيا وأوكرانيا، في بداية الألفية الثانية. وأخيراً وليس آخراً، ولم يتأخر الأمر، فكانت حروب ليبيا، وثورات عربية، عزّزت مخاوفها من صعود للإسلام السياسي، وتطور المطالبات الديمقراطية في مجتمعاتٍ، لديها ما يشبهها في جمهوريات اتحادها الروسي الإسلامية، وإقصاءات "مُذلّة" من ساحات الوغى الدبلوماسي. أتى ضابط الاستخبارات، فلاديمير بوتين، إلى الحكم، لينتقم من كل هذه الخيبات، ليس في إطار موقف وطنيٍ محض، بل، وأيضاً، في إطار فهم حديثٍ، ومستحدث، للاستبداد القائم على المحسوبيات والفساد. مدرسة عرفها العرب جيداً، وخصوصاً من يستميت بوتين في الدفاع عنهم، بحيوات شعوبهم اليوم. ولقد حاول صاحب العقلية الأمنية، المشككة في أقرب من حوله، أن يعقد قران مصلحة بين الشعور الوطني الروسي الجريح والطموح الذاتي الاستبدادي الجارح. ويبدو أنه نجح نسبياً في هذا الطريق، إذ منحته العنجهية المبرمجة، وكانت آخر مظاهرها في القرم، شعبيةً هائلةً لدى الطبقة الفقيرة الروسية، المتطلعة لانتصار رمزي ومعنوي، يعوضها عن شعورها بالعجز التام، منذ انهيار النظام الاجتماعي السوفييتي. كما لدى أصحاب الثروات الطفيليين، والذين استفادوا من عمليات التخصيص العشوائية، خير سند، أيضاً، للدب الروسي الخارج من سباته الطويل.

هل يكفي هذا للحكم، وتفسير الموقف الروسي العدائي تجاه الحقوق الأساسية للشعوب، وتجاه تحررها، كما تجاه تخلّصها من هيمنة اقتصادياتٍ، مشوّهة بالاستبداد والفساد، كالاقتصاد الروسي؟ يمكن القول إن بوتين حاول أَن ينفتح، بطريقة ماكرةٍ اقتصادياً وسياسياً، على الغرب في النصف الأول من الألفية الثانية، وقد جوبه بالبرود الذي قارب حدّ الرفض. ومصدر ذلك شعورٌ خاطئ بأن الجراح المتراكمة في جسد الإمبراطورية الروسية، على مدى طويل، ستودي بها إلى الانصياع. خطأ كبير في الرؤية والتحليل، أدى بنا إلى ما نحن اليوم عليه، من خروج الدب معافى نسبياً إلى حلبة الرقص الدولي، فارضاً شروط "الموسكوف"، ومستمتعاً بإدارة أميركية غائبة، وبسياسة خارجية أوروبية منقسمة. الدبلوماسيون الروس يدرسون ملفاتهم جيداً، بكل السوء الذي يمكن أن توصم به نواياهم. غيرهم، يحتفظون بسوء النوايا، من دون أن تكون لديهم ملفات يدرسونها.